10/recent


بشرى كربوب

  بقلم / سيداتي بيدا

 لم يكن صباح ذلك اليوم عادياً داخل معسكر الحكام. شيء ما كان يثقل الهواء، همسات تتقاطع، نظرات تتوجّس، وصمتٌ مشدود كوترٍ على وشك الانفجار. وفي قلب هذا المشهد الملبّد، تردّد اسم بشرى كربوبي… الاسم الذي لطالما عَرفه الملعب احتراماً، ويعرفه الجمهور فخراً، ويعرفه العالم كإحدى ألمع الوجوه النسوية في سماء التحكيم الإفريقي.


لكنّ الخبر الذي تسلل كخيط نارٍ بين المتواجدين كان صاعقاً:

إبعاد كربوبي من المعسكر… وبطريقة قرأها الكثيرون كطرد تعسّفي بلا سند ولا مسوّغ.


أصدر القرار مدير مديرية التحكيم رضوان جيد، لتشتعل بعدها موجة غضب لا تخطئها الأذن. أصوات من قلب الجسم التحكيمي تحدثت عن “سلطة مفرطة” و“تدبير غير منطقي”، بينما تواترت روايات تؤكد أن ما حصل لم يكن إلا تتويجاً لمسار من التوترات المكتومة التي لم تجد يوماً طريقاً إلى الطاولة ولا إلى الحوار.


لكن لماذا كربوبي بالذات؟

هذه الحكمة التي حملت الصافرة في كأس إفريقيا للرجال والنساء، ومثّلت المغرب في أولمبياد باريس، ووقفت على خط نهائي كأس أمم إفريقيا كحكمة رابعة، هل تُقصى بهذه الخفة؟

وهل يُمكن لتاريخ مهني متين أن يُطوى دون كلمة، دون تفسير، دون حتى احترامٍ لرمزية المسار؟


الدهشة تحوّلت إلى حدّة، والحدّة إلى حالة احتجاج صامت، قبل أن تتسرّب أنباء عن استعداد عدد من الحكام للإدلاء بشهاداتهم أمام الجامعة الملكية لكرة القدم، مؤكدين أنّ كربوبي تعرّضت لظلم لا يليق بمنظومة تدّعي الاحتراف.

هذه الخطوة وحدها كانت كافية لتكشف أن الشرخ أعمق مما يبدو، وأن المشهد التحكيمي يعيش لحظة ارتجاج داخلي لا يمكن إخفاؤه خلف الأبواب المغلقة.


في مثل هذه الظروف، يصبح دور المؤسسة الرياضية أكبر من مجرد مراقب. فالجامعة اليوم أمام امتحان لا يقبل الرمادية:

إمّا أن ترفع الستار عن حقيقة ما جرى، وتفتح تحقيقاً جاداً وشفافاً يعيد الثقة لمن يستحقها،

وإمّا أن تترك الظلال تتمدّد، فيتحوّل الصمت إلى إدانة غير معلنة، وتتحول القضية إلى فصل جديد في روايةٍ تُكتب خارج إرادتها.


إنّ تحييد كفاءة دولية مثل بشرى كربوبي لا يمرّ مروراً عادياً. إنه مسّ بصورة التحكيم المغربي، وبالمكاسب التي راكمتها المرأة في هذا المجال، وبصوت العدالة الذي يجب أن يظل أعلى من أي حسابات أو مزاجيات.


وفي النهاية، تبقى هذه الواقعة أكثر من مجرد خلاف إداري؛ إنها حكاية منظومة على المحكّ، واسمٍ عيرفض أن يُمحى، وجمرةٍ تشتعل في قلب الساحة وتنتظر من يطفئها بالحقيقة… لا بالصمت.

Post a Comment

أحدث أقدم