لم تكن المدرجات في المغرب مجرد فضاء رياضي، ولا كان الهتاف فعلاً عابراً في مباراة تُطوى صفحتها مع صافرة النهاية. كان المشهد أبعد من كرةٍ تُلعب، وأعمق من تشجيعٍ يُستهلك. في مدرج أفريقي مزدحم بالحناجر والطبول، خرج اسم " لومومبا" من بين الأفواه لا بوصفه ذكرى تاريخية، بل كحضور حيّ، يستعيد مكانه الطبيعي في وجدان قارة لم تنسَ جراحها.
المشجع الذي ألقبُه بـ"البومبة"/القنبلة.. لم يهتف، بل وقف شامخاً في المدرج، ثابت الجسد، مرفوع الرأس، كأنه تمثال "باتريس لومومبا" وقد نُزع من ساحات المدن ليُعاد نصبه بين الجماهير. وقفَته لم تكن حركة عفوية، بل صورة مكثفة للمعنى: جسد صامت، لكن دلالته تصرخ. في تلك اللحظة، تحوّل المشجع إلى رمز، وتحول المدرج إلى ساحة ذاكرة.
لم يحمل "البومبة" لافتة سياسية، ولم يعتلِ منصة خطابية، لكنه فعل ما تعجز عنه الخطب الرسمية: قال الكثير بوقفةٍ واحدة. في لحظة صدق جماهيري، اختلطت الرياضة بالذاكرة، وتصالح المدرج مع التاريخ. هنا، لم تعد المباراة تسعين دقيقة، بل نافذة مفتوحة على سؤال الهوية والانتماء.
اسم "باتريس لومومبا"، الذي اغتيل جسداً وبقيت قضيته.

إرسال تعليق