في مؤشر جديد يعكس تنامي الاعتماد على الطاقة المستوردة، كشفت بيانات حديثة تصدر المغرب لقائمة الدول المستوردة لغاز البيوتان الأمريكي خلال سنة 2025، بمعدل استيراد يومي بلغ نحو 65 ألف برميل. هذا الرقم، الذي يعكس حجماً كبيراً من التدفقات الطاقية نحو السوق المغربية، يضع الضوء مجدداً على هشاشة التوازن بين الطلب المحلي المتنامي على هذه المادة الحيوية، وبين كلفة تأمينها من الأسواق الدولية.


ويُعتبر غاز البيوتان العمود الفقري للاستهلاك المنزلي في المغرب، حيث تعتمد عليه ملايين الأسر بشكل شبه حصري في الطهي والتدفئة، وهو ما جعله سلعة استراتيجية بالدرجة الأولى. وقد أسهم استمرار نظام الدعم الحكومي لهذه المادة في ترسيخ هذا النمط الاستهلاكي، إذ تتحمل الخزينة العامة فارق السعر بين كلفة الاستيراد الحقيقية والسعر الموجه للمواطن، مما يخفف من تداعيات التقلبات الدولية على القدرة الشرائية، لكنه في المقابل يثقل كاهل الميزانية.


ويعزو خبراء في المجال الطاقي هذا التوجه المغربي نحو السوق الأمريكية إلى مجموعة من العوامل، يأتي في مقدمتها استقرار الإمدادات القادمة من الولايات المتحدة مقارنة ببعض الأسواق التقليدية الأخرى التي تعرف اضطرابات جيوسياسية أو لوجستية. كما أن الأسعار التنافسية التي يقدمها الغاز الأمريكي، إلى جانب الاستراتيجية المغربية الرامية إلى تنويع مصادر التزود، جعلت من واشنطن مورداً استراتيجياً لتأمين احتياجات المملكة المتزايدة، سواء من الغاز البترولي المسال أو من مشتقاته كالبيوتان.


غير أن تصدر المغرب لقائمة المستوردين لهذه المادة يحمل في طياته تحديات اقتصادية كبرى. ففي الوقت الذي يضمن فيه هذا الاستيراد المنتظم الأمن الطاقي للمنازل، فإنه يؤدي إلى ارتفاع متواصل في فاتورة الاستيراد الطاقي الإجمالية، ويزيد من الضغط على ميزانية الدعم التي كانت الحكومة قد أولت إصلاحها أولوية في السنوات الأخيرة. ويطرح هذا الواقع إشكالية الحفاظ على استدامة الدعم الاجتماعي من دون التضحية بالتوازنات المالية للدولة.


وفي ظل هذه المعطيات، يعود النقاش حول ضرورة تسريع الانتقال الطاقي إلى الواجهة. ويرى متخصصون أن تعزيز الاستثمار في مشاريع الطاقات المتجددة، وتوسيع شبكة الغاز الطبيعي لتصل إلى المزيد من المنازل والوحدات الصناعية، يبقى الحل الأنجح لتقليص الاعتماد التدريجي على استيراد غاز البيوتان، خصوصاً في ظل تقلبات أسعار المحروقات العالمية. ويؤكد هؤلاء أن رهان المستقبل لن يكون على تأمين الإمدادات فقط، بل على إعادة هيكلة أنماط الاستهلاك الطاقي في المملكة بما يحقق توازناً بين الندرة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

Post a Comment

أحدث أقدم