بقلم ابوبكر الفقيه التطواني 


لا تدّعي هذه القراءة الإحاطة الشاملة بخطاب المرأة السياسية في المغرب، كما لا تزعم أنها تمثّل جميع تجلياته أو أنماطه، بل هي محاولة جزئية ترصد بعض الظواهر الغالبة التي تتكرر داخل الخطاب المتداول في المؤسسات الحزبية، وفي الفضاءات التمثيلية، وفي الندوات والنقاشات العمومية. وهي قراءة استندت، قدر الإمكان، إلى عينات من مرجعيات سياسية مختلفة، توخياً للموضوعية، مع الإقرار بأن داخل هذا المشهد خطابات نسائية متفردة، لا تنطبق عليها بالضرورة هذه السمات العامة، وتشكل استثناءً نوعياً يستحق دراسة خاصة.


 أولاً : خطاب يتحرك داخل شرعيتين متداخلتين. 


يشتغل خطاب المرأة السياسية في المغرب داخل توتر خفي بين مستويين من الشرعية:

شرعية الحضور كفاعل سياسي كامل داخل الحقل الحزبي والمؤسساتي، وشرعية التعبير عن قضايا يُفترض أنها مرتبطة بتجربة خاصة أو زاوية نظر مختلفة.

هذا التوتر لا يُعلن بشكل مباشر، لكنه يظهر في بنية الخطاب:فهو، من جهة، حريص على إثبات الكفاءة والانخراط في نفس قواعد الفعل السياسي، ومن جهة أخرى، يسعى—بدرجة متفاوتة—إلى الإيحاء بوجود حس مختلف في التقاط القضايا وترتيب الأولويات.

وهنا يتشكل أحد أهم ملامح هذا الخطاب:

محاولة التوفيق بين الاندماج داخل النسق السياسي، دون الذوبان الكامل فيه.


 ثانياً : بين وضوح المعنى واحتراز العبارة


من السمات البارزة في الخطاب النسائي السياسي، حضور نوع من التوازن الدقيق بين وضوح المضمون واحتراز التعبير.

ففي الوقت الذي يلامس فيه الخطاب قضايا دقيقة، وأحياناً اختلالات عميقة، فإنه غالباً ما يتجنب الانزلاق نحو الصدام المباشر أو اللغة الحادة.

هذا الاختيار ليس بالضرورة تعبيراً عن تردد، بل قد يكون وعياً بطبيعة المجال السياسي وحدود القول فيه، حيث يُصبح تمرير الفكرة أحياناً أكثر فعالية من إعلانها بشكل فج.

وعليه، فإن الخطاب قد يبدو في ظاهره هادئاً، لكنه في عمقه يحمل شحنة نقدية، تُصاغ بطريقة تُبقي على التوازن بين التعبير والموقع.


 ثالثاً : إعادة تعريف ما يُعتبر “سياسياً”


واحدة من التحولات الدقيقة التي يمكن رصدها في خطاب المرأة السياسية، هي توسيع معنى السياسة نفسها.

فما كان يُعتبر في الخطاب التقليدي مسائل اجتماعية أو ثانوية، يتحول داخل هذا الخطاب إلى قضايا ذات بعد سياسي مركزي.

قضايا مثل:الكرامة اليومية، التوازن الأسري، الصحة النفسية، أو أشكال العنف غير المباشر، لا تُطرح فقط كمواضيع اجتماعية، بل كمدخل لفهم اختلالات أوسع في السياسات العمومية.

بهذا المعنى، لا يقدّم الخطاب النسائي فقط مضامين مختلفة، بل يعيد ترتيب ما يُعتبر أولوية داخل الفعل السياسي، دون إعلان صريح بهذا التحول.


 رابعاً : خطاب يستند إلى التجربة أكثر من التجريد


يميل خطاب المرأة السياسية في المغرب، في كثير من الحالات، إلى الارتكاز على التجربة الميدانية، وعلى الاحتكاك المباشر بالقضايا، أكثر من اعتماده على التجريد النظري.

هذا الحضور القوي للتجربة يمنح الخطاب:قرباً من الواقع, قابلية للفهم, وارتباطاً أوضح بالمعيش اليومي, لكنه، في المقابل، قد يجعله أقل انخراطاً في بناء رؤى سياسية شاملة أو مشاريع كبرى، خاصة داخل السياقات التي تهيمن فيها لغة التدبير أكثر من لغة التصور.


 خامساً : حدود الخطاب داخل بنية سياسية ضاغطة


رغم ما يحمله هذا الخطاب من إمكانيات، فإنه يظل محكوماً بمجموعة من القيود البنيوية:

الانضباط الحزبي: حيث يظل الخطاب، في كثير من الأحيان، امتداداً لخط الحزب

محدودية هامش المبادرة الفردية: داخل مؤسسات لا تصنع القرار دائماً في مستوياتها الظاهرة

قوة النموذج السائد: الذي يعيد إنتاج نفسه، ويُخضع الفاعلين—بغض النظر عن اختلافهم—لنفس منطق الاشتغال

في هذا السياق، يظهر أن الاختلاف الذي يحمله الخطاب النسائي، لا يتحول دائماً إلى تأثير ملموس، بل يبقى أحياناً في حدود إعادة ترتيب المعنى، دون القدرة على إعادة تشكيل القرار.


 سادساً : بين الحضور والاستماع


ربما تكمن المفارقة الأساسية في هذا الخطاب في أنه، رغم حضوره، لم يُصغ إليه دائماً بالقدر الكافي.

فالمرأة السياسية في المغرب ليست غائبة عن الفضاء العام، لكن ما تحمله من قراءة وتجربة لا يُمنح دائماً نفس الوزن في توجيه النقاش أو صياغة الاختيارات.

وهنا يطرح سؤال يتجاوز الخطاب نفسه:

هل يكفي أن يكون الصوت حاضراً، أم أن التحول الحقيقي يبدأ عندما يُصغى إليه بوصفه مدخلاً لإعادة التفكير؟


لا يمكن اختزال خطاب المرأة السياسية في المغرب في نموذج واحد، كما لا يمكن اعتباره بديلاً كاملاً عن الخطاب السياسي العام، لكنه، في المقابل، يحمل إمكانية مختلفة، تظهر في التفاصيل أكثر مما تُعلن في الشعارات.

هو خطاب يتحرك داخل نفس الإطار، لكنه يفتح داخله مساحات صغيرة لإعادة ترتيب المعنى، وإعادة طرح بعض الأسئلة من زاوية مغايرة.

وقد لا يكون أثره دائماً في ما يقوله مباشرة،

بل في ما يجعله مرئياً… مما لم يكن يُرى بنفس الوضوح.

وفي هذا الأفق، قد لا يكون التحدي اليوم هو توسيع حضور هذا الخطاب فقط،بل تعميق الإصغاء إليه،لأن ما لم يُلتقط بعد، قد يحمل جزءاً مما نبحث عنه.

Post a Comment

أحدث أقدم