بقلم: د. يوسف الشفوعي


شكلت أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية بمدينة الدار البيضاء واحدة من أكثر اللحظات ألماً في التاريخ المعاصر للمغرب، ليس فقط بسبب حجم الخسائر الإنسانية التي خلفتها التفجيرات، بل لأنها وضعت الدولة والمجتمع أمام أسئلة عميقة مرتبطة بالشباب، والهشاشة الاجتماعية، والتأطير التربوي، ومكانة الفعل الجمعوي في حماية الوطن.


لقد كانت تلك الليلة السوداء صدمة جماعية للمغاربة، لكنها في المقابل شكلت نقطة تحول استراتيجية في طريقة اشتغال الدولة المغربية، خاصة في المجال الأمني والاجتماعي والتنموي. فمنذ تلك اللحظة، لم يعد الأمن يُختزل فقط في المقاربة الزجرية، بل أصبح مرتبطاً كذلك بالأمن الاجتماعي والثقافي والفكري، وبضرورة الاستثمار في الإنسان، خصوصاً فئة الشباب.


وانطلاقاً من تجربتي الشخصية داخل العمل الجمعوي منذ أواخر التسعينيات، أستحضر كيف كانت مرحلة ما بعد 16 ماي لحظة وعي جماعي جديدة لدى عدد من الفاعلين المدنيين الشباب، الذين آمنوا بأن مواجهة التطرف لا يمكن أن تتم فقط عبر المؤسسات الأمنية، رغم دورها المحوري والأساسي، بل كذلك عبر التربية، والثقافة، والإنصات، وفتح فضاءات الأمل أمام الشباب.


لقد عشنا جيلاً كان يبحث عن معنى للانتماء، وعن فرصة لإثبات الذات داخل مجتمع سريع التحول، في ظل تحديات البطالة والهشاشة وضعف التأطير أحياناً. ومن هنا جاء اقتناعي المبكر بأن العمل الجمعوي ليس مجرد أنشطة مناسباتية، بل مدرسة حقيقية للمواطنة، وفضاء لصناعة الثقة، وتحصين للشباب ضد كل أشكال الانغلاق واليأس والتطرف.


أتذكر جيداً كيف تحولت العديد من الجمعيات بعد تلك الأحداث إلى فضاءات للنقاش والتوعية والتكوين، وكيف بدأ الحديث أكثر عن التنمية البشرية، وعن القرب الاجتماعي، وعن إعادة الاعتبار للأحياء الهامشية والشباب المنسي. ولم يكن صدفة أن يطلق جلالة الملك محمد السادس بعد ذلك بسنوات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، باعتبارها رؤية مجتمعية جديدة تضع الإنسان في قلب التنمية، وتربط الكرامة بالعدالة الاجتماعية والإدماج الاقتصادي.


لقد فهم المغرب مبكراً أن محاربة التطرف تمر أيضاً عبر محاربة الفقر، والهدر المدرسي، والإقصاء، والفراغ القاتل الذي قد يتحول إلى بيئة خصبة للأفكار المتطرفة. ولذلك شهدنا تحولات كبرى في السياسات العمومية المرتبطة بالشباب، والتكوين، والبنيات الاجتماعية، والمراكز الثقافية والرياضية، إضافة إلى تعزيز حضور المجتمع المدني كشريك في التنمية والتأطير.


واليوم، وبعد أكثر من عقدين على تلك الأحداث الأليمة، يمكن القول إن المغرب استطاع أن يبني نموذجاً متوازناً يجمع بين اليقظة الأمنية والانفتاح المجتمعي، وبين حماية الوطن والاستثمار في الإنسان. كما أن التجربة المغربية أظهرت أن الأمن الحقيقي لا يتحقق فقط عبر الحدود والحواجز، بل يبدأ من المدرسة، والأسرة، والجمعية، وفضاءات الثقافة والفن والرياضة.


إن ذكرى 16 ماي ليست فقط مناسبة لاستحضار الألم والترحم على الضحايا، بل هي أيضاً فرصة لتجديد الإيمان بقيمة العمل الجماعي، وبأهمية تأطير الشباب، وبضرورة استمرار بناء مغرب الثقة والكرامة والأمل.


فالأوطان لا تُحمى فقط بالقوانين والسلاح، بل كذلك بالأفكار الإيجابية، وبالمواطنة الفاعلة، وبشباب يجد في وطنه فرصة للحلم والنجاح والانتماء.

Post a Comment

أحدث أقدم