ع. عسول
لم يكن محمد بهضوض محرد كاتب او باحث، بل كان مثقفا منخرطا في قضايا مجتمعه، حمل الحلم زمن كان الحلم مقاومة. وآمن مبكرا بأهمية العمل الجمعوي والثقافي كرافعة للتغيير ، سخر فكره وابداعه من أجل النهوض بمدينة سلا َ، كان من ضمن مؤسسي جمعية سلا المستبقل و صاغ برامج نوعية ستبقى راسخة في الذاكرة مثل مهرجان سلوان، وتقارير المرصد الحضري لسلا الكبرى وصاغ مؤشرات الحكامة حول برامج تنمية سلا، إضافة لانتاج فكري فلسفي غزير بلغ 22 مؤلفا في قضايا إشكالية ثقافية ومجتمعية راهنة.
الأستاذ تميم بنغموش كان أول من افتتح اللقاء التكريمي حول الفقيد بهضوض، بكلمة تقديمية استحضر فيها المسار الفكري والإنساني للراحل، ودوره في تأسيس جمعية سلا المستقبل، وإسهاماته في ترسيخ العمل الثقافي والفكري بمدينة سلا، مؤكداً أن الوفاء لرجال الفكر هو وفاء لقيم المعرفة والحرية والكرامة.
من جهته أشار الأستاذ سعيد سيحيدة ان هذا اللقاء يشكل مناسبة للإحتفاء بأحد أبرز أعمال الدكتور محمد بهضوض الفكرية، بآخر منجزه الفكري وهوكتاب : *ما بعد الحقيقة: العقل في مواجهة الجهل والتفاهة والتضليل*، وهو الأطروحة التي نال بها الفقيد دكتوراه الدولة بميزة مشرف جدا تحت إشراف الأستاذ محمد الشيكر.
أما الدكتور مراد الريفي صديق الفقيد الذي لازمه طويلا ،على المستوي الإنساني والثقافي والفكري، فقدم قراءة موجزة في مضامين الكتاب، مبرزاً راهنية موضوعه وما يطرحه من أسئلة عميقة حول الحقيقة والإعلام والتحولات الرقمية، ومستقبل العقل النقدي في مواجهة التضليل والأخبار الزائفة..
مشددا أن الكاتب بهضوض كان مسكونا بحرقة السؤال، َبهاجس كرامة الانسان والبحث عن الحقيقة،و منشغلا بقوة وبقلق فكري يقظ حول " أسباب شيوع التفاهة والعبثية وتفكيك مضامينها وسياقات نشأنها وأهدافها "، وإعمال العقل النقدي لمواجهة تجليات التضليل والأخبار الزائفة والفكر الجاهز والشعبوية..
وسجل الريفي أن الكتاب يتناول بالدراسة والتحليل ظاهرة (مابعد الحقيقة) كموضوع راهن يثير اسئلة مقلقة حول مفهومه ومظاهره، ونتائجه واستجابات الجمهور والإعلام وردات الفعل اتجاهه. بالبحث في اشكالية اللغة والمفاهيم ،القديمة مثل الكذب والتضليل والحقيقة، والحديثة الامريكية النشأة ك" مابعد الحقيقة، الأخبار الزائفة والوقائع البديلة".
ويستنتج الكتاب ارتباط الحقيقة بالفلسفة ونظرية المعرفة وعلاقتها بالإتصال إيجابا أو سلبا... كما يتناول الكتاب الجانب التطبيقي باستعراضه لامثلة من تمظهرات مابعد الحقيقة في السياسة،الاقتصاد، العلاقات الدولية، العلم، الثقافة والرقمنة. حيث ينقسم الكتاب لخمسة أقسام و15 فصلا..
ومن جانبه، أكد الأستاذ لطفي المريني، رئيس مؤسسة سلا للثقافة والفنون، أن هذا اللقاء يندرج في إطار ثقافة الاعتراف بالمنجز الفكري للراحل محمد بهضوض، وصون ذاكرة مثقف ساهم بفكره ونضاله في خدمة مدينة سلا، ودافع طيلة مساره عن قيم الحرية والكرامة والثقافة والتنوير، معتبراً أن تكريم المبدعين والمفكرين هو تكريم لذاكرة المدينة وهويتها الثقافية.وشدد أن الفقيد يمتاز بسخاء فكري قل نظيره، حيث كان فكره الموسوعي رافعة لعطاءه الغزير، وقدرته على التحليل التفكيكي وتبسيط القضايا الاشكالية، مقدما ملتمسا لتخليد اسم الفقيد على أحد شوارع او أزقة المدينة أو إحدى مؤسساتها التعليمية أو الثقافية.
كما تخللت اللقاء شهادات إنسانية وفكرية من أصدقائه ورفاقه، استحضرت شخصية الفقيد، ومساره النضالي والثقافي، وإسهاماته في الفكر والإعلام والعمل الجمعوي، حيث أجمع المتدخلون على أن محمد بهضوض ظل، حتى أيامه الأخيرة، وفياً لقيم الحوار والانفتاح، ومدافعاً عن العقل والمعرفة باعتبارهما أساساً لبناء مجتمع ديمقراطي وحداثي.
واختُتمت فقرات اللقاء بكلمة باسم أسرة الفقيد ألقتها شقيقته ثريا بهضوض، التي عبرت عن بالغ تأثر الأسرة بهذه المبادرة، موجهة شكرها للجهات المنظمة ولكل من ساهم في تخليد ذكرى الراحل، مؤكدة أن هذا التكريم يجسد المكانة التي احتلها محمد بهضوض في قلوب كل من عرفه، ويؤكد استمرار حضوره من خلال إرثه الفكري والثقافي.
وعلى هامش اللقاء، تم توزيع مطوية تعريفية استعرضت أبرز محطات المسار الفكري والإنساني للدكتور محمد بهضوض، وقدمت نماذج من مؤلفاته، إلى جانب التعريف بكتابه الذي صدر بعد وفاته “أعترف أني عشت… محطات من سيرة ذاتية”، باعتباره شهادة إنسانية وفكرية تلخص مسيرة رجل عاش للفكر والثقافة وخدمة الإنسان.
واختُتم اللقاء في أجواء امتزج فيها الوفاء بالتقدير، حيث جدد الحاضرون العهد على مواصلة الاهتمام بالذاكرة الثقافية والفكرية لمدينة سلا، وصون إرث روادها، وفي مقدمتهم الدكتور محمد بهضوض، الذي سيظل حاضراً بما تركه من فكر وإبداع ومواقف نبيلة، واقتراح تنظيم قراءات في مؤلفاته المتنوعة.
كما أكد هذا اللقاء على المبادرات التي دأبت عليها جمعية سلا المستقبل في إطار حفظ الذاكرة الثقافية والفكرية لمدينة سلا، وترسيخ ثقافة الاعتراف برجالاتها الذين أسهموا في بناء رصيدها الفكري والإنساني، انسجاماً مع مشروعها الرامي إلى صون ذاكرة المدينة وتثمينها للأجيال القادمة.

إرسال تعليق