د. يوسف الشفوعي
لا يكاد يمر يوم دون أن نصادف سلوكا يسيء إلى الفضاء العمومي: نفايات ملقاة في غير مكانها، تخريب للمرافق الجماعية، ضجيج مفرط، عدم احترام لقواعد السير، أو ممارسات تمس بحقوق الآخرين في الاستفادة من فضاء مشترك ونظيف وآمن. ورغم ما تحقق بالمغرب من تقدم مهم في مجال البنيات التحتية والتجهيزات العمومية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نجحنا بنفس القدر في بناء ثقافة مدنية تواكب هذه التحولات؟
هذا السؤال أعاد طرحه بقوة الرأي الأخير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول السلوك المدني في الفضاءات العمومية، والذي كشف أن 77% من المستجوبين يعتبرون أن مظاهر التلوث وتخريب التجهيزات العمومية من أكثر السلوكيات غير المدنية انتشارا، فيما أشار 74% إلى انتشار السلوكيات العنيفة والعدوانية والتحرش، بينما اعتبر 40% أن عدم احترام قانون السير يشكل أحد أبرز مظاهر الإخلال بقواعد العيش المشترك. كما أبدى 86% من المشاركين تأييدهم لتفعيل العقوبات ضد السلوكيات غير المدنية.
غير أن اختزال المشكلة في غياب الردع وحده سيكون تبسيطا مفرطا لواقع أكثر تعقيدا. فالسلوك المدني ليس مجرد احترام للقانون خوفا من العقوبة، بل هو تعبير عن منظومة قيمية وثقافية تتشكل داخل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والفضاءات الاجتماعية المختلفة.
لقد نجح المغرب خلال العقود الأخيرة في إطلاق أوراش كبرى لتحديث المدن وتحسين الخدمات العمومية، لكن التحدي اليوم لم يعد فقط بناء الطرق والحدائق والساحات، بل بناء المواطن القادر على حماية هذه المكتسبات وصيانتها. فالمرفق العمومي لا يمكن أن يؤدي وظائفه بكفاءة إذا كان عرضة للتخريب أو سوء الاستعمال، كما أن جودة الحياة لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات، بل أيضا بمستوى احترام المواطنين لبعضهم البعض وللملك العام.
ومن خلال تجربتنا في العمل الجمعوي والتربوي مع الشباب، يتبين أن أغلب السلوكيات السلبية ليست نتيجة سوء نية بقدر ما هي نتيجة ضعف التنشئة على قيم المواطنة والمسؤولية. لذلك فإن أي معالجة حقيقية للظاهرة يجب أن تنطلق من التربية قبل الزجر، ومن التحسيس قبل العقاب، مع الحرص على تطبيق القانون بشكل عادل ومتوازن.
إن الحاجة أصبحت ملحة لإطلاق مشروع وطني متكامل لترسيخ السلوك المدني، يقوم على خمس ركائز أساسية:
●تعزيز التربية على المواطنة داخل المؤسسات التعليمية.
●إشراك المجتمع المدني في حملات القرب والتوعية.
●استثمار الإعلام والوسائط الرقمية في نشر النماذج الإيجابية.
●تحسين جودة الفضاءات العمومية وتجهيزاتها.
●التطبيق الصارم والعادل للقوانين المنظمة للفضاء العام.
وقد دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بدوره إلى إعداد مدونة وطنية للسلوك المدني وتوحيد المرجعيات المرتبطة بقواعد العيش المشترك في الفضاءات العمومية، بما يساهم في ترسيخ ثقافة احترام الحقوق والواجبات.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط الحد من السلوك غير المدني، بل بناء مواطن يشعر بأن نظافة الشارع من نظافة بيته، وأن المحافظة على المرفق العمومي مسؤولية جماعية، وأن احترام الآخر ليس واجبا قانونيا فقط، بل قيمة أخلاقية وحضارية.
فالأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من منشآت، بل أيضا بما ترسخه من قيم. وإذا كنا نطمح إلى مغرب أكثر إشعاعا وتنافسية، فإن الطريق إلى ذلك يمر حتما عبر تعزيز السلوك المدني وتحويله من شعار يُرفع في المناسبات إلى ممارسة يومية يعيشها المواطن في كل فضاء عمومي.
د. يوسف الشفوعي
باحث في العلوم السياسية وفاعل جمعوي وإعلامي

إرسال تعليق