في ظل التحولات العميقة التي يشهدها المشهد السياسي المغربي، بات من الواضح أن مسألة إدماج الشباب في الحياة السياسية لم تعد ترفاً فكرياً أو شعاراً موسمياً يرفع في المناسبات الانتخابية، بل أصبحت ضرورة حتمية لضمان استمرارية الفعل السياسي وتجديد النخب وربط المؤسسات بمحيطها الاجتماعي. ويكتسي هذا النقاش أهمية مضاعفة في سياق يشهد تحديات مرتبطة بمشاركة فئات من الشباب في الحياة السياسية والانتخابية، وهو ما يطرح أسئلة جدية حول سبل تعزيز مشاركتهم وتأطيرهم وإتاحة المجال أمامهم للمساهمة الفعلية في الشأن العام. الشباب في الحياة السياسية: بين الطموح الدستوري والممارسة الفعلية تشير النقاشات داخل مجلس النواب إلى أن الإشكال لا يتعلق فقط بعزوف الشباب، بل أيضاً بمدى قدرة المؤسسات والأحزاب على توفير فضاءات حقيقية للمشاركة والمبادرة. وقد أشارت مداخلات نيابية إلى أن «الموقع الطلائعي للشباب داخل المجتمع لا ينعكس بالشكل المطلوب على مستوى المشاركة السياسية»، وأن «جزءاً من الشباب لم يعد يرى في المؤسسات فضاء يعكس انتظاراته، في ظل ضعف التأطير الحزبي وغياب فضاءات حقيقية للمبادرة». كما طُرحت في النقاشات العمومية تساؤلات حول قدرة المؤسسات على مواكبة التحولات المجتمعية والاستجابة لانتظارات الأجيال الجديدة. «نستطيع»: مشروع سياسي يراهن على الشباب في هذا السياق، يطرح حزب «نستطيع» (قيد التأسيس) نفسه كمشروع سياسي يسعى إلى الإسهام في تجديد ممارسة السياسة، لا يكتفي بتقديم نفسه «إضافة رقمية» إلى قائمة الأحزاب القائمة، بل يسعى إلى تقديم «إضافة في طريقة ممارسة السياسة نفسها». ومن بين الأفكار الأساسية التي يقوم عليها هذا المشروع، يأتي «تجديد العمل السياسي عبر فتح المجال أمام الكفاءات والشباب للمشاركة في صنع القرار، بعيداً عن منطق الوجوه المكررة والسياسة التقليدية». ويقوم هذا التصور على أن تطوير الحياة السياسية لا يرتبط فقط بوجود النصوص القانونية، بل أيضاً بمدى القدرة على تفعيلها وتحويلها إلى ممارسة فعلية. فالمقاربة التي يدافع عنها المشروع تقوم على العمل مع الناس لا الكلام باسمهم، وعلى «إحداث قطائع مواطنة الآن، لا انتظار المقاعد». السياسة عمل ميداني وليست شعارات جوهر النقاش الذي يطرحه مشروع «نستطيع» هو أن السياسة، إذا أرادت أن تستعيد مصداقيتها لدى الشباب والمواطنين، يجب أن تتحول من خطاب إلى ممارسة ميدانية. وهذا يعني أن تكون قادرة على الوجود في الأحياء والقرى والمناطق المختلفة، والإنصات لانشغالات المواطنين اليومية من صحة وتعليم وشغل وكرامة، بدل الاكتفاء بلغة الشعارات التي لا تلامس واقع الناس. ويترجم هذا التوجه إلى ممارسة فعلية، إذ يسعى الحزب قيد التأسيس إلى إطلاق مبادرات والمساهمة في النقاش العمومي حول قضايا تهم المواطنين، إلى جانب التحركات المدنية والقانونية التي تم الإعلان عنها، بما في ذلك عرائض وطنية حول قضايا مرتبطة بالتعليم والشهادات العليا، ونداءات إنسانية حول وضعية معتقلي حراك الريف، وتحركات قانونية أمام القضاء ضد خطاب الكراهية والإهانة. كما عقد لقاءات مع مؤسسات دولية مثل البرلمان الأوروبي لمناقشة قضايا حقوق الإنسان والتحديات السياسية والاقتصادية. التحديات التي تواجه الشباب في العمل السياسي رغم الطموح الذي يحمله الشباب المنخرط في العمل السياسي، إلا أن العقبات التي تواجههم كبيرة ومتعددة. فعلى المستوى المؤسسي، لا يزال ولوج الوجوه الجديدة إلى مواقع القرار والمنافسة السياسية يواجه تحديات قانونية وتنظيمية وواقعية متعددة. وفي هذا الصدد، يشير أحد مؤسسي «نستطيع» إلى أن «العقبة الأولى مؤسسية»، في إشارة إلى التحديات التي تواجه التنظيمات السياسية الجديدة والفاعلين الجدد. وعلى مستوى الممارسة الحزبية الداخلية، يواجه الشباب تحديات مرتبطة بالاستقطاب الانتخابي الظرفي والتنقل الحزبي، وهي ممارسات قد تساهم في إضعاف ثقة الشباب في العمل السياسي والحزبي. كما أن رهان بعض الأحزاب على الأعيان وأصحاب النفوذ والمال، بدل إعطاء مساحة أكبر للكفاءات والمناضلين حاملي الأفكار، يطرح بدوره سؤالاً حول سبل تجديد النخب السياسية. نحو مقاربة جديدة للمشاركة الشبابية ثمة وعي متزايد بأن إدماج الشباب في الحياة السياسية لا يتحقق فقط عبر التحفيزات الانتخابية أو تخصيص نسب للشباب في اللوائح، بل يتطلب مقاربة شاملة تتناول ثلاثة مستويات: المؤسسات، والأحزاب، والثقافة السياسية. على المستوى المؤسساتي، تشير التجارب المقارنة إلى أن «الإدماج الفعلي» للشباب يستدعي تجاوز «الحضور الرمزي» إلى «المشاركة الفعلية في صنع القرار». وهذا يعني أن تُمنح للشباب فرص حقيقية للمساهمة في صياغة السياسات العمومية، لا أن يُستدعوا فقط للتصويت أو للظهور في المناسبات. على مستوى الأحزاب، يبقى التحدي الأكبر هو كيف يمكن لهذه المؤسسات أن تتحول من آلات انتخابية إلى فضاءات للتأطير السياسي والتكوين. ويقترح «نستطيع» في هذا الإطار «إنشاء دورات للتكوين القانوني والدستوري لجميع المنتخبين»، معتبراً أن «الولاية البرلمانية لا يمكن أن تكون امتيازاً اجتماعياً، بل وظيفة عمومية ذات مسؤولية عالية». أما على مستوى الثقافة السياسية، فإن التحدي الأكبر يكمن في جسر الهوة بين اللغة السياسية التقليدية وطرق التعبير التي اعتادها الشباب. فجيل اليوم يتفاعل بلغات مختلفة: لغة الصورة، والميم، والمنصات الرقمية، واللعب الجماعي، والموسيقى. إن تجاهل هذه التحولات في أشكال التعبير السياسي يعني استمرار القطيعة بين المؤسسات وفئة عمرية واسعة. خلاصة: من الشعارات إلى الممارسة الميدانية في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن للشباب أن يجدوا في العمل السياسي التقليدي ما يلبي طموحاتهم؟ وقد يكون من الأدق القول إن جزءاً من الشباب لا يرفض السياسة بحد ذاتها، بقدر ما يبحث عن أشكال جديدة وفعالة للمشاركة فيها. إنهم يبحثون عن سياسة ميدانية، قريبة من هموم الناس، خالية من الشعارات الفارغة، وقادرة على تحويل الخطاب إلى فعل. قد لا يكون حزب «نستطيع» قيد التأسيس هو المشروع الوحيد الممكن، لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن تحويل الطاقة الشبابية من حضور في الفضاءات الافتراضية إلى فعل سياسي مؤسساتي؟ وكيف يمكن للسياسة أن تعود لتكون «خدمة للوطن لا امتيازاً»؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة أي مشروع سياسي يراهن على الشباب، ليس فقط من خلال شعاراته، بل من خلال جدية ممارسته وقدرته على ترجمة مبادئه إلى عمل ميداني.

Post a Comment

أحدث أقدم