وسط السماء الصافية التي طالما كانت عنواناً لمدينة دبي ووجهتها السياحية، بدت ومضات الصواريخ في الأفق وكأنها تخترق لأول مرة جدار الأمان الذي طالما تغنى به المقيمون والمستثمرون. فمع تصاعد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة المرتبطة بالحرب مع إيران، لم تعد دبي ذلك الملاذ الهادئ المعفي من الضرائب الذي اعتاد الجميع عليه. تقارير صحفية غربية، من بينها تقرير لصحيفة Daily Mail، بدأت ترسم صورة مغايرة تماماً لما كانت عليه الإمارة قبل أسابيع قليلة.
فقد كشفت هذه التقارير عن حالة من القلق تسيطر على شريحة واسعة من المقيمين الأجانب، الذين يشكلون النسبة الأكبر من سكان المدينة، حيث أعلن بعضهم صراحة عن خطط لمغادرة دبي وعدم العودة. وذهبت بعض البنوك والشركات الأجنبية إلى أبعد من ذلك بإخلاء مكاتبها مؤقتاً، فيما شهدت المدينة موجة خروج لآلاف السكان والسياح الذين فضلوا الابتعاد عن منطقة الخطر المحتمل. هذا المشهد يضرب في العمق الصورة التي استغرق بناؤها سنوات، صورة المدينة الآمنة والمزدهرة التي لا تعرف الحروب.
ورغم الحملة الإعلامية التي أطلقتها السلطات لطمأنة السكان، مؤكدة أن الانفجارات في السماء هي مجرد اعتراضات دفاعية ناجحة، إلا أن الرسائل الرسمية بدت غير كافية لتبديد المخاوف المتجذرة. قصص شخصية بدأت تظهر على السطح، كقصة البريطاني جون ترودينغر الذي يقيم في دبي منذ 16 عاماً، ويصف كيف أن بريق المدينة "تلاشى" أمام عينيه، مشيراً إلى مغادرة العديد من زملائه المعلمين البلاد. وعلى الجانب الآخر، هناك سائق التاكسي زين أنور الذي لم يعد يخشى فقط على مستقبله، بل على حياته بعد أن دمر صاروخ سيارته، فيما تضغط عليه عائلته بشدة للعودة إلى باكستان.
في خضم هذا الذعر، شددت السلطات قبضتها على المشهد الرقمي، محذرة من نشر أي معلومات غير رسمية قد تسبب الذعر العام، وهو ما قد يصل عقوبته إلى السجن. وقد طالت هذه التحذيرات العشرات ممن نشروا مقاطع للصواريخ والانفجارات. في المقابل، انتشرت منشورات لمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي يشيدون بالحكومة وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في محاولة لموازنة مشاعر الخوف بتعزيز الثقة في القيادة.
يبقى السؤال الأهم: هل هذه مجرد عاصفة عابرة ستعود بعدها الحياة إلى طبيعتها في المدينة التي اعتادت على تجاوز الأزمات؟ أم أن استمرار التوترات الأمنية سيدفع شريحة أكبر من الجاليات الأجنبية التي تشكل 90% من التركيبة السكانية إلى إعادة حساباتها، مما قد ينعكس سلباً على قطاعي السياحة والأعمال اللذين يشكلان شريان الحياة لهذه الإمارة؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بتحديد ما إذا كان بريق دبي سيخفت حقاً أم سيبقى مصدر جذب لا يقهر.

إرسال تعليق