مرة أخرى، يغادر المنتخب الجزائري بطولة كأس أمم إفريقيا قبل بلوغ المربع الذهبي، ومرة أخرى يُستدعى خطاب المؤامرة كحلّ جاهز لتبرير الإخفاق، في مشهد بات مألوفاً أكثر من كونه مفاجئاً. المفكر المغربي أحمد عصيد اختار كسر هذا المنطق السائد، موجهاً كلاماً صريحاً وقاسياً، لكنه ضروري، لمن يفضلون الهروب إلى الأمام بدل مواجهة الحقيقة.

عصيد، الذي تابع مباريات المنتخب الجزائري بتعاطف واهتمام، اعتبر أن الانتصارات الأولى لم تكن دليلاً على قوة حقيقية، بل نتيجة مباشرة لضعف الخصوم، مؤكداً أن أول اختبار جدي كشف هشاشة الأداء كان منذ مواجهة الكونغو، حيث بدأ العد التنازلي الفعلي للخروج.

وبنبرة لا تخلو من الاستفزاز، شدد عصيد على أن الهزيمة الأخيرة كانت مستحقة، لأن الخصم كان الأفضل تكتيكياً وذهنياً وبدنياً، مضيفاً أن كرة القدم لا تعترف بالنيات ولا بالشعارات، بل بما يُقدَّم داخل المستطيل الأخضر. لا تحكيم، لا أرضية ملعب، لا جمهور، ولا “أيادٍ خفية”.

الرسالة الأكثر إيلاماً في كلام عصيد كانت واضحة: “لا أحد يتآمر على الجزائريين إلا الجزائريون أنفسهم”. فحسب رأيه، تُستعمل نظرية المؤامرة في منطقتنا كسلاح مزدوج؛ الأول لإلقاء مسؤولية الفشل على الآخر، والثاني للهروب من أي نقد ذاتي حقيقي قد يفضح الاختلالات البنيوية.

وفي مقارنة لاذعة، استحضر عصيد إقصاء المنتخب المغربي سابقاً أمام جنوب إفريقيا، حين اختار المغاربة جلد الذات بدل اتهام العالم بأسره، وفتحوا نقاشاً مسؤولاً حول أسباب السقوط، رغم أنهم كانوا قادمين من إنجاز تاريخي في مونديال قطر. الفرق، حسب عصيد، هو بين ثقافة تُصلح نفسها وثقافة تفضّل الصراخ.

ولم يتوقف النقد عند الأداء الرياضي، بل امتد إلى سلوكات بعض الجماهير واللاعبين، التي اعتبرها عصيد دليلاً على فشل أعمق في فهم معنى الانتماء الإفريقي واحترام شعوب القارة، مؤكداً أن الوطنية لا تُقاس بالصراخ ولا بالإهانات، بل بالاحترام والروح الرياضية.

وختم عصيد رسالته بتحذير واضح: من أراد مشاركة مشرفة في كأس العالم، فعليه أن ينسى العدو الخارجي الوهمي، ويواجه العدو الحقيقي القابع في الداخل. لأن ثقافة “كبش الفداء” لا تصنع منتخبات قوية، بل تنتج فشلاً مزمناً يتكرر مع كل بطولة.

Post a Comment

أحدث أقدم