لم يكن عرض الحلقات الأولى من الجزء الثالث لمسلسل “بنات لالة منانة” حدثاً عادياً في المشهد الرمضاني، بل تحول سريعاً إلى شرارة جدل واسع، خصوصاً في أوساط أبناء الشمال الذين شعروا بأن صورتهم تُقدَّم مجدداً في قالب نمطي يختزل تاريخهم وثقافتهم في مشاهد مثيرة للجدل. فالدراما، التي يُفترض أن تكون مرآة عاكسة للمجتمع بعمق واتزان، بدت هذه المرة – في نظر منتقديها – وكأنها تنزلق نحو الإثارة السهلة على حساب المعالجة الرصينة.
الانتقادات لم تأتِ من فراغ، بل انطلقت من شعور حقيقي بأن العمل تجاوز حدود الجرأة المقبولة، سواء عبر الإيحاءات الجنسية أو من خلال طرح علاقات خارج إطار الزواج بصورة اعتبرها كثيرون تطبيعاً غير مبرر مع سلوكيات مرفوضة مجتمعياً. ويزداد الجدل حدة حين نتذكر أن المسلسل يُعرض على قناة عمومية، وفي شهر رمضان الذي يحمل خصوصية دينية وروحية لدى المغاربة، ما يجعل مسألة احترام الذوق العام والمسؤولية الأخلاقية أكثر إلحاحاً.
ليست المشكلة في طرح قضايا حساسة؛ فالفن بطبيعته مساحة للنقاش وكشف الاختلالات. غير أن الإشكال يكمن في الطريقة: هل نحن أمام معالجة درامية عميقة تسائل الواقع وتنتقده؟ أم أمام توظيف للجرأة كوسيلة لجذب الانتباه ورفع نسب المشاهدة؟ حين تُختزل منطقة بكاملها في صور نمطية، فإننا لا ننتقد واقعاً بقدر ما نرسخ انطباعات قد تسيء إلى هوية جماعية وتغذي أحكاماً جاهزة.
ثم إن تبرير كل اختيار فني بشعار “حرية التعبير” لا يعفي من مساءلة أخلاقية. فالحرية لا تعني الانفلات من أي ضابط، خاصة حين يتعلق الأمر بإعلام عمومي تموله أموال المواطنين. هنا يصبح السؤال مشروعاً: أين ينتهي الإبداع، وأين تبدأ مسؤولية احترام قيم المجتمع وثوابته؟
يبقى الجدل حول المسلسل تعبيراً عن حيوية المجتمع المغربي وحرصه على صورته وهويته. غير أن الرسالة الأبرز التي يبعث بها هذا الغضب الشعبي هي أن الجمهور لم يعد مستعداً لقبول أي محتوى دون مساءلة، وأن الدراما – إن أرادت أن تحظى بالاحترام – مطالبة بأن توازن بين الجرأة والوعي، بين النقد والبناء، وبين حرية الإبداع وصون الكرامة الثقافية.
إرسال تعليق