في تطور نوعي للمواجهة العسكرية الدائرة في المنطقة، أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني، مساء اليوم الثلاثاء، عن إطلاق صاروخ "حاج قاسم" الباليستيك للمرة الأولى، وذلك ضمن عملية "الوعد الصادق 4" التي تشنها الجمهورية الإسلامية على أهداف في العمق الإسرائيلي. ويأتي هذا الاستخدام الجديد لهذا الطراز من الصواريخ ليشكل نقطة تحول في المعادلة العسكرية القائمة، في ظل تصاعد العمليات الهجومية والردود المتبادلة بين الجانبين خلال الساعات الماضية .
ويحمل صاروخ "حاج قاسم" اسم قائد فيلق القدس السابق في الحرس الثوري الإيراني، الفريق قاسم سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة في غارة جوية قرب مطار بغداد الدولي في يناير من عام 2020. ويأتي الكشف عن استخدام هذا الصاروخ في المعركة بعد نحو ست سنوات من إزاحة الستار عنه لأول مرة في أغسطس 2020، ليكون بمثابة وفاء لذكرى القائد البارز في الصراع الإقليمي مع إسرائيل والولايات المتحدة .
ويُصنف صاروخ "حاج قاسم" على أنه صاروخ باليستي تكتيكي أرض-أرض، يعمل بالوقود الصلب المركب، ويتميز بقدرته على المناورة وتفادي أنظمة الدفاع الصاروخي المعادية. وبحسب المواصفات الفنية التي كشفت عنها المصادر الرسمية ووسائل الإعلام الإيرانية، يبلغ طول الصاروخ نحو 11 متراً، ويصل وزنه الإجمالي إلى حوالي 7 أطنان، منها 500 كيلوغرام وزن الرأس الحربي الذي يتميز بقابلية الانفصال عن الهيكل الرئيسي والتوجيه الدقيق حتى لحظة الإصابة .
ويصل مدى هذا الصاروخ إلى 1400 كيلومتر، مما يضع كامل الأراضي الإسرائيلية ضمن نطاق نيرانه عند إطلاقه من نقاط مختلفة في العمق الإيراني. أما من حيث السرعة، فيبلغ معدل دخول الرأس الحربي إلى الغلاف الجوي 12 ماخ، بينما تصل سرعته لحظة الاصطدام بالهدف إلى 5 ماخ، وهي سرعة تفوق بكثير قدرة معظم أنظمة الاعتراض التقليدية على التصدي له بفعالية .
ويمتاز صاروخ "حاج قاسم" بتصميم فريد يقلل من احتمالية اكتشافه رادارياً، إذ يتمتع رأسُه الحربي بانعكاس راداري منخفض جداً، مما يصعّب مهمة أنظمة الإنذار المبكر والدفاعات الجوية في رصده وتتبعه. كما أن إمكانية إطلاقه من وسط إيران تقلل بشكل كبير من فرصة رصده قبل الإطلاق، وتعطي أنظمة الدفاع المعادية وقتاً أقل للتفاعل والرد .
ويعتبر هذا الصاروخ الجيل الجديد من سلسلة صواريخ "فاتح"، ويضم ثماني كتل تثبيت ثابتة في نهاية جسمه، وهي زيادة في عدد المثبتات مقارنة بالأجيال السابقة التي كانت تضم أربع كتل فقط، مما يمنحه ثباتاً أكبر أثناء الطيران وقدرة على المناورة في المراحل النهائية للوصول إلى الهدف .
ويأتي إطلاق صاروخ "حاج قاسم" ضمن سياق عملية "الوعد الصادق 4" التي يشنها الحرس الثوري الإيراني رداً على عمليات عسكرية إسرائيلية وأمريكية استهدفت أراضي الجمهورية الإسلامية. وتشير المعلومات الميدانية إلى أن هذه الصواريخ استُخدمت في رشقات صاروخية مركزة استهدفت مدناً إسرائيلية كبرى، بما في ذلك تل أبيب وحيفا ومناطق في الضفة الغربية المحتلة، وذلك بعد أيام من تنفيذ إسرائيل والولايات المتحدة عملية مشتركة حملت اسم "زئير الأسد" استهدفت مواقع إيرانية حساسة .
وقد أظهرت مقاطع فيديو بثتها وسائل إعلام إسرائيلية سقوط صواريخ في مناطق مأهولة، وإطلاق صفارات الإنذار في مختلف أنحاء إسرائيل بالتزامن مع الهجوم الإيراني. وأعلن الجيش الإسرائيلي عن اعتراض عدد من الصواريخ، غير أنه اعترف بسقوط إصابات وأضرار في عدة مواقع، خاصة في منطقة بات يام جنوب تل أبيب .
ويعتبر استخدام صاروخ "حاج قاسم" في هذه المرحلة من المواجهة رسالة استراتيجية من طهران إلى خصومها، مفادها أن قدراتها الصاروخية باتت في مرحلة متقدمة من الدقة والتخفي، وأنها قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي بأنظمة أسلحة لم تُستخدم سابقاً. ويأتي ذلك في إطار ما تصفه إيران بـ"إستراتيجية الردع النشط"، التي تهدف إلى إظهار قدرتها على الرد بشكل مؤثر على أي عدوان يستهدف أراضيها أو مصالحها .
وكانت إيران قد صرّحت سابقاً بأن صاروخ "حاج قاسم" صُمم خصيصاً "ليكون جزءاً من إستراتيجية الردع في مواجهة إسرائيل"، ويصنف رسمياً ضمن "الأسلحة الموجّهة ضد الكيان الصهيوني"، وفق ما أكده متحدثون رسميون في طهران .
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متزايداً على جميع الجبهات، وسط مخاوف من اتساع رقعة الصراع ليشمل دولاً أخرى. وقد أدانت دول عربية وغربية الهجمات المتبادلة، ودعت إلى ضبط النفس وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون عواقبها وخيمة على استقرار المنطقة والعالم. في المقابل، أعلنت إيران أنها "لن تتوانى عن الدفاع عن سيادتها" وأن عملياتها العسكرية تأتي في إطار "الحق المشروع في الرد على العدوان" .
ويترقب المراقبون العسكريون تطورات الساعات القادمة، في ظل حديث وسائل إعلام إسرائيلية عن إعداد الجيش الإسرائيلي لموجات هجومية جديدة، فيما تؤكد طهران جاهزيتها لاستخدام مزيد من قدراتها الصاروخية، بما فيها صواريخ فرط صوتية أخرى، في حال استمر التصعيد .

إرسال تعليق