في تطور يعكس أعمق أزمة ثقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين منذ عقود، وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه في موقف دبلوماسي حرج بعد أن أبلغه معظم حلفاء الناتو رسمياً برفضهم المشاركة في العمليات العسكرية الجارية ضد إيران. فبينما يشن الرئيس الأمريكي خطاباً متشنجاً يتراوح بين إعلان "النصر" وتهديد الحلفاء بـ"مستقبل سيء" للحلف، تتمسك العواصم الأوروبية بموقف واضح: "هذه ليست حربنا" .
فمنذ شن الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في 28 فبراير الماضي، يسود الحلفاء الأوروبيون شعور بالاستبعاد التام عن أي معلومات مسبقة أو تنسيق استراتيجي. واليوم، وبعد مرور أكثر من أسبوعين على الحرب، يطالب الحلفاء واشنطن بـ"توضيح أهدافها الحربية" قبل حتى مناقشة إمكانية تقديم أي دعم .
في مشهد غير مألوف داخل أروقة الحلف العسكري الأقوى في العالم، خرج كبار المسؤولين الأوروبيين ليؤكدوا رفضهم القاطع لإقحام الناتو في الصراع. المستشار الألماني فريدريش ميرتس كان الأكثر وضوحاً عندما صرح قائلاً: "الناتو حلف دفاعي، وليس تدخلياً، ولهذا السبب بالتحديد ليس للناتو أي عمل هنا". وأضاف ميرتس، الذي يوافق على ضرورة "إنهاء النظام الإيراني"، أن "قصفه حتى الاستسلام، بناء على كل تجارب السنوات والعقود الماضية، ليس النهج الصحيح في الأرجح" .
أما بريطانيا، حليف الولايات المتحدة الأقرب، فقد سارع رئيس وزرائها كير ستارمر إلى إعلان موقف حاسم: "لن ننجر إلى حرب أوسع". واشترط ستارمر إرسال أي قوات بريطانية إلى المنطقة بوجود "خطة مدروسة بشكل صحيح" وإطار قانوني واضح، وهو ما لا يتوفر حتى الآن من وجهة نظر لندن .
الموقف الإيطالي لم يختلف، حيث دعا وزير الخارجية أنطونيو تاجاني إلى حلول عبر "الحوار بدلاً من التصعيد العسكري"، مشدداً على أن بعثات الاتحاد الأوروبي الحالية تركز على مكافحة القرصنة ولا يمكن تحويلها إلى عمليات حرب .
في مقابل هذا الجدار الأوروبي الصامد، أطلق الرئيس ترمب سيلاً من التصريحات المتناقضة التي تكشف حجم الإحباط في البيت الأبيض. فمن جهة، يصر ترمب على أن الولايات المتحدة "لا تحتاج أحداً" لأنها "أقوى أمة في العالم"، ومن جهة أخرى يهاجم الحلفاء لعدم اندفاعهم للمشاركة في الحرب .
وفي مقابلة مع صحيفة "فاينانشال تايمز"، وجه ترمب تهديداً غير مسبوق للحلفاء قائلاً: "إذا لم يكن هناك رد، أو إذا كان رداً سلبياً، أعتقد أن ذلك سيكون سيئاً جداً لمستقبل الناتو". كما عبر عن استيائه من رئيس الوزراء البريطاني قائلاً: "لم أكن سعيداً مع المملكة المتحدة. كان عليهم أن يشاركوا بحماس. لقد كنا نحمي هذه الدول لسنوات عبر الناتو" .
لكن هذه التهديدات قوبلت بسخرية حتى في الصحافة الأمريكية، حيث كتب كريس برينان في "USA TODAY" معلقاً: "ترمب يبيع نسختين متناقضتين من الحرب: إيران 'مُحيت تماماً'، ولكن أمريكا تحتاج حلفاءها المترددين لكي ننتصر. إنه يريدهم أن ينضموا بحماس بينما ينفي حاجته لهم" .
الرفض الأوروبي لا يقوم على المزاج السياسي فحسب، بل على أسس قانونية وجغرافية صلبة. فوفقاً للمادة السادسة من ميثاق الناتو، فإن التزامات الدفاع الجماعي للحلف تنطبق فقط على مناطق محددة: أراضي الدول الأعضاء في أوروبا وأمريكا الشمالية وتركيا، إضافة إلى منطقة شمال الأطلسي. الصراع الدائر في إيران وحول مضيق هرمز يقع بوضوح خارج هذه الحدود الجغرافية .
كما أن المادة الخامسة، التي تمثل قلب الحلف، تنص على الدفاع في حالة وقوع هجوم على عضو، وليس المشاركة في حروب هجومية. ولذلك فإن ما يطلبه ترمب من حلفائه هو الانضمام إلى "حرب اختيار" كما وصفها الجنرال المتقاعد بن هودجز، وليس الدفاع عن الأمن الجماعي .
حتى المادة الرابعة، التي تسمح بالتشاور في حالة تهديد الأمن، لم تُفعل، رغم أن وزير الخارجية البولندي راديك سيكورسكي ألمح إلى أن وارسو ستنظر في أي طلب رسمي عبر قنوات الناتو "باحترام وتعاطف" .
في المقابل، يبدو الموقف الإيراني صلباً وغير قابل للمساومة. الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان صرح بشكل قاطع بأن إيران "لن تستسلم للضغوط الأمريكية أو الإسرائيلية"، مؤكداً أن طهران لم تبدأ أي نزاع مع واشنطن أو تل أبيب. ودعا بزشكيان إلى إنهاء استخدام القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، محذراً من أن السلام والاستقرار سيبقيان مستحيلين طالما استمر "العدوان الصهيوني الأمريكي" .
أما وزير الخارجية عباس عراقجي فقد وجه رسالة تحذيرية قائلاً: "لقد فهموا الآن أي أمة يتعاملون معها، أمة لا تتردد في الدفاع عن نفسها ومستعدة لمواصلة الحرب أينما تقود، ونقلها إلى أقصى حد ضروري" .
الحرب لم تخلق أزمة دبلوماسية فحسب، بل أحدثت صدمة اقتصادية عالمية. أسعار نفط برنت قفزت بأكثر من 40% منذ بدء النزاع، واضطرت ناقلات البضائع إلى تغيير مسارها حول الطرف الجنوبي لأفريقيا، مما يهدد بندرة السلع وارتفاع أسعارها .
كما أن سلاسل التوريد العالمية تعاني من اضطرابات خطيرة تشمل الأدوية القادمة من الهند، وأشباه الموصلات من آسيا، والأسمدة المشتقة من النفط في الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي ترفض فيه الدول الأوروبية إرسال سفن حربية، تدرس بعض الدول مثل فرنسا وبريطانيا أشكالاً محدودة من المساعدة، مثل الطائرات المسيرة لكشف الألغام، لكن بشرط "أن تسمح الظروف بذلك" بعد انحسار القتال .
هذه الأزمة تضع مستقبل الحلف الأطلسي على المحك كما لم يحدث من قبل. فمنذ نهاية الحرب الباردة، لم يواجه الناتو تحدياً وجودياً بهذا الحجم. العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، التي بنيت على مدى سبعة عقود من الالتزام المتبادل، أصبحت الآن مهددة بسياسة الرئيس الأمريكي الذي يرى في الحلفاء عبئاً لا قيمة مضافة.
المحللون يرون أن ما يحدث ليس مجرد خلاف عابر، بل قطيعة استراتيجية محتملة. فبينما ترفض أوروبا الانجرار إلى حرب لا تؤمن بها، يهدد الرئيس الأمريكي بمعاقبتها. وفي الأثناء، تستمر الحرب في إيران، ويبقى مضيق هرمز مغلقاً، ويظل السؤال الأهم بلا إجابة: كيف ستنتهي هذه الحرب، ومن سيدفع الثمن؟

إرسال تعليق