شهدت الإدارة الأمريكية أول خرق كبير في جدارها الداخلي، بعد إعلان استقالة مسؤول أمني رفيع المستوى من منصبه الحكومي، احتجاجاً على السياسات المتبعة في منطقة الشرق الأوسط. فقد تقدّم السيد "جوزيف كنت"، المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، باستقالته من منصبه الرفيع، في خطوة وصفت بالمفاجئة، نظراً لحساسية المنصب الذي كان يشغله واطلاعه على أدق التفاصيل المتعلقة بالأمن القومي وأعلى درجات المعلومات السرية والاستخبارية.


وجاءت استقالة "كنت" لتدق ناقوس الخطر حول وجود انقسامات عميقة داخل أروقة صنع القرار في واشنطن. ففي رسالة استقالته التي حصلت عليها وسائل الإعلام، أوضح المسؤول المستقيل دوافع قراره الدراماتيكي، قائلاً: "بعد تفكير عميق، قررتُ الاستقالة من منصبي. لا أستطيع، بضمير حيّ، أن أستمر في دعم مسار الحرب الجارية على إيران". وأضاف في رسالته أن قناعته الشخصية والمهنية تمنعه من التزام الصمت إزاء ما وصفه بانحراف في السياسة الخارجية.


وتضمنت رسالة الاستقالة اتهاماً صريحاً وصادماً للإدارة الحالية، حيث نفى "كنت" بشكل قاطع وجود أي مبرر أمني مباشر للتصعيد العسكري الحالي. وأكد قائلاً: "لم تُشكّل إيران في أي لحظة تهديداً وشيكاً أو حقيقياً لأمتنا"، مستنداً في ذلك إلى خبرته الطويلة واطلاعه على التقارير الاستخبارية التي تصل إلى أعلى المستويات. وأشار إلى أن بدء هذه الحرب لم يكن بناءً على تقييم استخباراتي محايد، بل "نتيجة ضغوط مارستها إسرائيل ولوبياتها القوية على دوائر صنع القرار في واشنطن".


وتكتسب استقالة "جوزيف كنت" زخماً خاصاً، ليس فقط بسبب منصبه الحساس، بل لأنه شخصية مخضرمة تعاقبت على إداراتها رؤساء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وكان يُنظر إليه كصوت مهني غير منحاز في المجتمع الاستخباري. خروجه بهذه الطريقة العلنية يعكس حالة من الغليان داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية، التي يرى بعض أعضائها أن الإدارة الحالية تتجه نحو مغامرة عسكرية كبرى في المنطقة تُهدد مصالح الولايات المتحدة على المدى البعيد، وتُدخلها في مستنقع صراعات لا نهاية لها بناءً على حسابات داخلية أو خارجية لا تمت بصلة للأمن القومي الأمريكي المباشر.


من المتوقع أن تثير هذه الاستقالة جدلاً واسعاً في الكونغرس ووسائل الإعلام، وتضع إدارة ترامب أمام اختبار صعب، خاصة مع تزايد الأصوات التي تتساءل عن الجهة التي تقود السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط: هل هي المصالح الوطنية العليا للولايات المتحدة، أم ضغوط الحلفاء والأجندات الخارجية؟

Post a Comment

أحدث أقدم